ابن أبي الحديد

265

شرح نهج البلاغة

الأمور واستوت الأسباب والرجوع إلى أصل حكم الله من المواريث أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم . قال : فإن قالوا : كيف تظن به ظلمها والتعدي عليها ! وكلما ازدادت عليه غلظة أزداد لها لينا ورقة حيث تقول له : والله لا أكلمك أبدا فيقول : والله لا أهجرك أبدا ثم تقول : والله لأدعون الله عليك فيقول : والله لأدعون الله لك ثم يحتمل منها هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة وبحضرة قريش والصحابة مع حاجة الخلافة إلى البهاء والتنزيه وما يجب لها من الرفعة والهيبة ! ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا متقربا كلام المعظم لحقها المكبر لمقامها والصائن لوجهها المتحنن عليها : ما أحد أعز على منك فقرا ولا أحب إلى منك غنى ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه فهو صدقة ) ! قيل لهم : ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من الجور وقد يبلغ من مكر الظالم ودهاء الماكر إذا كان أريبا وللخصومة معتادا أن يظهر كلام المظلوم وذلة المنتصف ( 1 ) وحدب ( 2 ) الوامق ومقة ( 3 ) المحق . وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة وقد زعمتم أن عمر قال على منبره : متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم : متعه النساء ومتعه الحج أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما فما وجدتم أحدا أنكر قوله ولا استشنع مخرج نهيه ولا خطأه في معناه ولا تعجب منه ولا استفهمه ! وكيف تقضون بترك النكير وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الأئمة من قريش ) . ثم قال في شكاته : لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه شك حين ( 4 ) أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين

--> ( 1 ) المنتصف : المستوفى حقه . ( 2 ) وحدب الوامق . أي وانثناء الناظر . ( 3 ) المقة : التودد والحب . ( 4 ) الشافي : ( حتى ) .